بداية الشركة

      في الشركة كما في الزواج، قد لا يحتاج الشخص إلى أن يسأل نفسه أن كانت محبة للأخرين قمة التضحية أم قمة الأنانية .

      ويأتي يوم ليكتشف فيه كما ورد بكتاب عبد الله بن المقفع ” كليلة ودمنة” ( إنما يحب الحياة محبة لنفسه وانه لا يحب من أحب من الأحباب إلا ليتمتع بهم في حياته)

      فالشركة تنشأ بهدف تقاسم الربح لكن حين تعصف الرياح بالمركب، يطلب كل النجاة لنفسه ولا يلتفت إلى الآخرين فيبدأ الشركاء مشروعهم المشترك بطموحات بسيطة، ثم يزداد الربح ويتم فتح أبواب جديدة لتحقيق أرباح عالية، فتظهر إلى السطح مشاعر الغيرة والحسد، وخاصة بالنسبة لصاحب فكرة المشروع أو الشركاء المؤسسين، تجاه الشركاء الذين تم انضمامهم لاحقاً للشركة ويتذكر من شارك بماله قبل غيره من الشركاء لولا مخاطرته بماله لما تحقق ربح للآخرين، بينما يمسك أصحاب الحصص اللاحقة ” أقلية الشركاء” التهم لحساب ما يجنيه أصحاب أكثرية الحصص من أرباح بالإضافة إلى الرواتب والمكافآت.

      وأمام ذلك يصر أصحاب أغلبية الحصص والمدراء على الاستئثار في الحصول على الامتيازات والحقوق في الشركة، ويتحرك أصحاب أقلية الأسهم ويلعنون  القوانين الجائرة – حسب تعبيرهم – التي تجعل أمور الشركة تخضع لقرارات الأغلبية في حين أن من الأولى أن تكون القوانين أكثر ديمقراطية وتراعي الحقوق المشروعة للأقليات التي تعاني في التجارة كما في السياسة .

      وفجأة تظهر المشاكل بين الشركاء، فالشركة التي كانت تحقق الأرباح، تصبح محل نزاع بين الشركاء، وتتحول إلى ساحات للمعارك القانونية، يتبادل الشركاء كافة العبارات وصيغ الابتزاز فهذا يتحدث عن حقوق أقلية الشركاء وذاك يتحدث عن إساءة الأقلية لأغلبية الشركاء والأخرعن مصلحة الشركة والأخر عن التصرفات القانونية…..الخ .

      ويدخل القانون من كافة أبواب ونوافذ الشركة فتنتهي الثقة بين جميع الأطراف وغالباً تبدأ الخلافات بين طرفين ثم تمتد إلى البقية ويشمل الخلاف إلى تدخل الجهات الرقابية تبدأ من دائرة مراقبة الشركات لإجراء تدقيق و/أو تشكيل لجان إدارة ثم إحالة الشركاء والشركة إلى نائب العام والأصل كان النزاع محدود فانه يتفرع عنه عدة قضايا حقوقية وجزائية.

      وقد ورد بكتاب ابن خلدون ” كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر” قائلاً ( ثم أن هذا الاجتماع إذا حصل للبشر كما قررناه….فلا بد من وازع يدفع بعضهم عن بعض لما في طباعهم الحيوانية من العدوان والظلم.)

      وهذا الكلام يصح على المجتمع ككل كما يصح على الشركة خاصة حين تبدأ الخلافات والنزاعات تهدد كيان وأركان الشركة.

      ومن خلال ذلك يكون السؤال بمدى وجود آليات قانونية فعالة تحمي حقوق أقلية الشركاء وتمنع تعثر الشركة مع وجود ضمانات عادلة لحماية الأطراف ذوي العلاقة ( الغير).

      إن الأمر المهم الذي يواجهه قانون الشركات اليوم هو المتمثل في تحقيق الموازنة بين حماية الشركاء والدائنين والعاملين والأطراف الأخرى ذوي العلاقة من جهة والفاعلية التي تقتضي المرونة واحترام سلطان الإرادة من جهة أخرى.

      ولعل التعديلات التي يشهدها قانون الشركات في الأردن والبلدان الأخرى بان هذا التوازن يظل دائماً بحاجة إلى مراجعة لمتابعة التغييرات المستمرة التي يفرضها الاقتصاد العالمي المتقلب ويبقى البحث عن التوازن مستمر.

 




1 من التعليقات

  1. يقول وليد:

    كلام رائع فعلا

    شكرا لك


ضع تعليقك

جميع الحقوق محفوظة ل : مدونة المحامي محمد عماوي القانونية . © 2021