الإصلاح الإداري للشركات

    من منطلق التطورات التي لازمت حركة التطور المتسارعة للاقتصاد الأردني إعادة تقييم الأنظمة الشاملة وتطوير جزء منها بما يتناسب مع المنظومة العالمية ومن هذه الأنظمة الجديدة (الحوكمة)، حوكمة الشركات، ليسير هذا المفهوم في خط متواز مع الجهود المبذولة حاليا لإصلاح وإعادة هيكلة ركائز البنى الاقتصادية على نسق يجعلها قادرة على تحمل إفرازات الواقع الجديد المتشابك المصالح والمعطيات، فمن جهة نشأت السوق المالية مؤطرة لنشاطاتها بالعديد من القوانين المتفردة مهنياً والمتسقة مع المنظومة العالمية لتخلق واقعا جديدا جديرا بالاهتمام. واستجابة نوعية لواقع اقتصادي آخر له متطلباته ألا وهو انضمام الأردن لمنظمة التجارة الدولية.

    هذه النقلة الاقتصادية الهائلة، تحتم التعايش والتوافق بدقة بمجموعة من الأنظمة واللوائح الإطارية والمحورية تعنى بإعادة هيكلة وتطوير البناء الاقتصادي الأردني وفق منظومة تلبي إحتياجات ومستلزمات الأطراف الأساسية في المعادلة حتى يكون الكيان الاقتصادي الوطني قادراً ومؤهلاً للمنافسة من منطلقات قانونية واقتصادية راسخة.

    لاشك أن جميع هذه الجهود تتطلب حضور (الشركة) وتحديداً الشركة المساهمة كشخصية اعتبارية وعنصر فاعل في المعادلة الاقتصادية العامة، ملازما لها قانون الشركات الأردني والتشريعات ذات العلاقة.

    لقد تميز التطور التاريخي للشركات المساهمة عالمياً بتشابه الإطار القانوني والتنظيمي العام مع بعض الخصوصية المكتسبة من المفاهيم والمبادئ الاجتماعية لكل دولة على حدة.

    بدأ التفكير في بناء فكرة الشفافية والأخلاق المهنية داخل الشركة مع تفعيل دور مجالس إدارات الشركات في المجال الرقابي والتوجيهي والإشرافي على أعمال الشركة، وتحجيم دور شريحة المديرين التنفيذيين في شؤون الشركة بالقدر الذي يكفل حماية حقوق المساهمين، بخلق موازنة تحدث انضباطاً في العمل وتحكماً وسيطرة فعلية من جانب آخر وبهذا ظهر مفهوم الحوكمة كمفهوم يهدف الى استخدام آليات الضبط والتوازن في استمرارية واستدامة بتوفير قوة الدفع للمديرين التنفيذيين بحيث تتطابق وتنسجم أهداف المالكين مع أهدافهم في الحد من تصرفات المخاطرة غير المسئولة. بتفعيل دور اللجان الرقابية في مجلس الإدارة بطريقة تحول دون إنفراد شخص أو جهة معينة داخل المجلس بكافة الصلاحيات والسلطات.

    مفهوم حوكمة الشركات المساهمة يتطلب التعرف على خصائصه وتعريفاته التي منها GOVERNANCE وهي المترادف من اللغة الإنجليزية لكلمة حوكمة والمتعارف عليها عالمياً في مجال الشركات المساهمة، وهي تعنى لغةً التقويم، واصطلاحاً تقنين مشروعية مسار الأداء بالشركة حفاظاً على حقوق المساهمين وذوي المصالح الآخرين. أو آليات التوجيه والإشراف والرقابة على إدارة الشركات، وتتضمن الوسائل التي يكون فيها عادة مجلس الإدارة مسئولا عن توجيه الإدارة التنفيذية للشركة على أفضل السبل المحققة للأهداف والتوقعات.

    لقد خاض في مجال التعريف بمفهوم الحوكمة العديد من فقهاء القانون والاقتصاد بيد ان نسبة عالية من المختصين في مجال الشركات أجمعوا على شمولية التعريف الذي اورده باريكنسون Parkinson في كتابة Corporate Governance حوكمة الشركات عام 1994م.

تعريف باريكنسون:

الحوكمة :  هي الإجراء الإداري، الإشرافي والتنسيقي المعتمد والذي يعكس مصداقية إدارة الشركة في رعايتها لمصالح الشركاء.

كما أن الدكتور إبراهيم بن عبدالله المنيف في كتابه (حوكمة الشركات)، ص 124وما بعدها، يرى:

    أن جملة هذه التعاريف تجمع بين ثناياها ثقافة مجتمعية غربية شاملة تجمع بين الإدارة والاقتصاد والقانون، وهي العلوم الإنسانية الثلاثة ذات الطابع التنفيذي. كما تجمع ما بين ثناياها تحقيق مصالح وطنية وعالمية كما يلي:

        * وقف المخاطر والتهديدات لمصالح المساهمين والمستثمرين.
        * وقف الخسائر والتزوير والفساد من إساءة استخدام السلطة في الشركات.
        * الترابط والتكامل والتوازن في العلاقات بين المساهمين ومجلس الإدارة والإدارة التنفيذية والمتعاملين، لما يحقق مصالحهم بطريقة وأسلوب وممارسة أخلاقية قيمية.
        * توفر أنظمة وإجراءات رقابية تربط ما بين تحديد الإستراتيجية والأهداف والتنفيذ والصلاحيات والمسئوليات والمساءلة بين كافة الإدارات والدوائر والأقسام في الشركة.
        * استحداث نظام التوازن والسيطرة لأمور التعويضات والمكافآت للإدارة العليا بما يتفق ومبادئ العدالة والمساواة والقيمة الأخلاقية.
        * نشر الوعي والحضارة والثقافة في الشفافية والإفصاح.

    لقد جاءت حوكمة الشركات لتسد الثغرة لمنع استمرارية هذه التهديدات الإفلاسية وأثرها المدمر على الاقتصاديات المحلية والعالمية، وبدأ الاتجاه نحو إلغاء أعضاء مجلس الإدارة التنفيذيين، مع إلغاء القوانين والأنظمة التي تسمح بأن يشغل شخص واحد وظيفتي رئيس مجلس الإدارة ووظيفة الرئيس التنفيذي.

    وفي مرحلة لاحقة لجأت الشركات الى تعيين أعضاء مجلس إدارة مستقلين ومؤهلين وقابلين للمساءلة عن التصرفات والنتائج بدلاً عن أعضاء مجلس الإدارة التنفيذيين.

    أيضاً ساهمت الحكومة والهيئات المهنية العالمية بمؤشرات وفرضيات لنوعية تأهيل أعضاء مجلس الإدارة، إضافةً إلى فكرة إنشاء اللجان الرقابية التابعة لمجلس الإدارة.

    ولتحقيق المنهج والنهج لحوكمة الشركات فقد كان أول من ساهم في صياغة المبادئ الأساسية من المنظمة الأوروبية للتنمية الاقتصادية (أو. إي. سي. دي) آخذة في الحسبان آراء ووجهات نظر الدول الأوروبية في بحثها عن الآليات والممارسات المتميزة. وقد ركزت هذه المبادئ على ضرورة صياغة أنظمة وقوانين تؤدي الى تكوين مناخ عام يسمح للمنافسة وقوى السوق بأن تعمل بحرية، ويتيح للشركات تحقيق أهدافها الربحية وهي:


1- حماية حقوق المساهمين:

والتي تشمل:
        أ- تسهيل ممارسة المساهمين لحقوقهم وحصولهم على المعلومات.
      ب- حقوق المساهمين المتعلقة باجتماع الهيئة العامة، كالأخذ في الاعتبار المسائل التي يرغب المساهمون في إدراجها في جدول الأعمال ومناقشتها، وحقهم في توجيه الأسئلة بشأن الموضوعات المطروحة، مع تمكين المساهمين من الاطلاع على محضر اجتماع الهيئة العامة والحصول على نسخ منه.
       ج- حقوق المساهمين في التصويت، وعلى الشركة تثبيت هذا الحق وتجنب وضع أي إجراء قد يؤدي الى إعاقة استخدام حق التصويت.
       د- يجب على مجلس الإدارة وضع سياسة واضحة بشأن توزيع أرباح الأسهم بما يحقق التوازن في مراعاة حقوق المساهمين والشركة.
       هـ – مراقبة أعمال مجلس الإدارة ورفع دعوى المسئولية التقصيرية بقصد أو بدون على أعضاء المجلس.

2- السياسات والإجراءات المتعلقة بالإفصاح:

    على الشركة أن تضع وتحتفظ بسياسات وإجراءات وأنظمة إشرافية مكتوبة بشأن الإفصاح وفقاً للتشريعات النافذة، إضافةً لضرورات الإفصاح في تقرير مجلس الإدارة عن مدى التزام الشركة بمتطلبات الحوكمة.

3- من الملاحظات العامة:

    جاء طرح مشروع لائحة حوكمة الشركات المساهمة في ظروف تسعى فيها الجهات المختصة لإعادة هيكلة الكيانات الاقتصادية لتتلاءم مع معطيات الأوضاع الاقتصادية العامة المرتقبة في ظل المد الثلاثي الأبعاد والمتمثل في:
        * انضمام المملكة إلى منظمة التجارة العالمية ومتطلبات ذلك من ضرورات إصلاحية.
        * عدم ثبات أوضاع السوق المالية في الآونة الأخيرة وما يحتمه ذلك من ضرورات إعادة النظر في الأنظمة القانونية ذات العلاقة لتأسيس الهيكلة القانونية التي تتناسب ومتطلبات الأوضاع الجديدة.

ولإيجاد الحلول لذلك أقترح ما يلي:

    أولاً: إيجاد آلية فاعلة لتوفير القدر المناسب من الثقافة لدى المساهمين لمعرفة حقوقهم وواجباتهم من خلال عقد التأسيس والنظام الأساسي للشركة.

    ثانياً: إلزام الشركات لمزيد من الشفافية والإفصاح عن كل المعلومات التي تتعلق بالشركة عن طريق إصدار التشريعات اللازمة لذلك.

    ثالثاً: خلق الانسجام والتوافق بين القوانين والأنظمة المستحدثة والتي صدرت لمعالجة متطلبات التطورات الاقتصادية الحالية.

    رابعاً: إيجاد وسائل لمكافحة الأساليب الملتوية التي تلجأ لها بعض إدارات الشركات.

    خامساً: تزويد مجالس إدارات الشركات بالكوادر المتخصصة في كافة المجالات للاستفادة منهم في رئاسة لجان المجلس، ذات الطبيعة الرقابية على أعمال الإدارة التنفيذية.

    سادساً: هنالك العديد من القوانين والأنظمة التي تتعارض وتتداخل الصلاحيات مع أنظمة أخرى، لذا نرى أن يكون هنالك توحيد اللغة المشتركة بين تلك الجهات، مع إيجاد الضمانات الكافية للالتزام باحترام القوانين والأنظمة ذات العلاقة.
 





ضع تعليقك

جميع الحقوق محفوظة ل : مدونة المحامي محمد عماوي القانونية . © 2021