التصويت النسبي في الشركات (التصويت التراكمي)

التصويت النسبي في مجلس ادارة الشركة المساهمة العامة

التصويت النسبي في مجلس ادارة الشركة المساهمة العامة

ثار مؤخراً الحديث حول مفهوم التصويت النسبي في الشركات أو كما يعرفه القانون بالتصويت التراكمي، ونخصص هذه المقالة للحديث حول هذا المفهوم بعجالة غير مخلة.

ولعل من الجيد قبل الخوض في مفهوم التصويت النسبي في الشركات أن نخصص مطلع هذه المقالة للحديث عن جوهر نظام التصويت النسبي والحكمة منه وطريقة منشؤه. وفي ذلك فلعل من المعروف للمُعظم بأن شركات الاموال والمتمثلة بالشركة المساهمة العامة كمثال عام يتم ادارتها من قبل مجلس ادارة وفق ما يُحدد بعقد التاسيس والنظام الاساسي لكل شركة، ووفق ما يتم الاتفاق علية من قبل المؤسسين عند تأسيس الشركة أو بقرار من الهيئة العامة غير العادية للشركة بعد التاسيس، وان الشركات المساهمة العامة تدار من قبل مجلس ادارة مكون ((3- 13)) شخصا سواء شخص طبيعي او اعتباري وعدد أعضاء مجلس الادارة يتم تحديده بموجب العقد والنظام الاساسي للشركة.

ويتضمن القانون لزوم تحديد عدد واضح لأعضاء مجلس الادارة؛ وبما يعني لزوم تحديد عدد أعضاء مجلس الادارة وعدم امكانية ترك العدد دون تحديد. وفي هذا فإنني اذهب مع الرأي القائل بتفضيل كون عدد أعضاء مجلس الادارة عدداً فردياً لغايات التصويت مستقبلا، وتلافي التعادل السلبي.

وبحسب أحكام القانون، فيتم انتخاب مجلس الادارة من قبل الهيئة العامة صاحبة الولاية العامة باجتماع عادي واحيانا قد يكون الانتخاب بموجب اجتماع هيئة عامة غير عادي وبالاقتراع السري وفق منطوق احكام المادة (132) من قانون الشركات الأردني رقم (22) لسنة 1997 وتعديلاته.

 

تاريخ تطور مفهوم التصويت النسبي في الشركات (التصويت التراكمي) بالنسبة للتشريع الأردني:

منذ صدور أول قانون شركات أردني دائم، تحت الرقم (12) لسنة 1964 ولغاية نهاية عام 2017 ومع تعاقب قوانيين الشركات الصادرة، فقد كان يتم الانتخاب بالنسبة لأعضاء مجالس الادارة عن طريق سيطرة الاسهم؛ حيث كان من يملك الاغلبية يحظى بانتخاب وتحديد اعضاء المجلس كما كان يسيطر على انتخاب المدقق واقرار البيانات المالية وامور اخرى كبيع الشركة او تصفيتها او التحكم بتوزيع الارباح. وبعبارات أكثر وضوحاً، فقد كان من يملك اكثر من (50%) من الأسهم في الشركة يستطيع السيطرة الكاملة عليها تقريباً وبالأخص فيما يتعلق بانتخاب كامل اعضاء مجلس الادارة لصالحه، وبما كان يؤدي الى الى حرمان المساهمين الذين يملكون (49%) من التمثيل بمجلس الادارة ومن ثم تعطيل اي صوت لهم باجتماعات الهيئات العادية العامة.

وقد التفت المشرع للاشكالية المتقدمة، ومن خطورة تغول الأكثرية على حقوق الأقلية ومن كون هذا التغول يمثل اقصاءً لبقية المساهمين بصورة قد تؤدي الى وذوبان حقوقهم في الشركة.

وعلى ذلك ومع تطور فكرة حماية حقوق أقلية المساهمين وبروز قواعد الحوكمة التي استهدفت مأسسة عمل الشركات وحماية حقوق الاقلية. فقد غدا من الواجب أن يكون بمجالس الادارة اعضاء مستقلين.

وللتاريخ، فقد بدأت فكرة التصويت النسبي في الشركات (التصويت التراكمي) بالظهور منذ عام 2008 وتم عمل عدة ورش عمل حول هذا الخصوص، كما وتطرقنا له في هذه المدونة (مدونة المحامي محمد العماوي القانونية) في بعض المواضع. إذ سعت ورش العمل تلك لتفعيل هذا الامر وقبوله لدى اصحاب رؤوس الاموال وبوشر بذلك تطبيق قواعد الحوكمة الاجبارية بالبنوك وتبعها شركات التامين الى ان اصبح تطبيق قواعد الحوكمه الزامياً أخيراً.

وفي ثلة التطور التشريعي، فقد استجاب المشرع وقنن ما أتت به قواعد الحوكمة الرشيدة وحماية حقوق اقلية المساهمين وبَسط قاعدة التمثيل في المجلس، معززاً من مبدأ عدم السيطرة على تشكيل المجلس ممن يملك الاغلبية العددية. وعلى ذلك فان المشرع الاردني قد ادخل تعديلا على المادة (132) من قانون الشركات بموجب القانون المعدل لقانون الشركات لعام 2017؛ حيث كان النص قبل التعديل كما يلي: “يتولى ادارة الشركة المساهمة العامة مجلس ادارة…..ويتم انتخابهم من قبل الهيئة العامة بالاقتراح السري….الخ”، وجاء النص المعدل على النحو التالي: “يتولي ادارة الشركة المساهمة العامة مجلس ادارة….ويتم انتخابهم من قبل الهيئة العامة…. بالاقتراح السري ومن خلال التصويت النسبي والذي يتيح لكل مساهم الخيار بتوزيع عدد الاصوات حسب الاسهم التى يمتلكها، على ان يكون الحق باستخدام الاصوات لمرشح واحد او توزيعها على اكثر من مرشح بحيث يكون لكل سهم صوت واحد دون حصول تكرار لهذه الاصوات….الخ”.

وهذا التعديل سوف يتم تطبيقه كنص تشريعي على الشركات المساهمة العامة لاول مرة في المملكة الاردنية الهاشمية، وبالرغم بان المشرع ادخل اكثر من تعديل على قانون الشركات بموجب القانون المعدل لقانون الشركات لعام 2017 بطريقة غير مدروسة بعناية –وفق ما اسلفنا في مقال سابق-، فقد اتى تعديله للنص المتقدم (المادة 132 من قانون الشركات) غير مراعٍ للتشريعات ذات العلاقة! فكيف يمكن ان يكون بالمجلس اعضاء مستقلين لايقل عددهم عن ثلاثة أعضاء (لغايات تشكيل لجان التدقيق وفقاً لتشريعات هيئة الأوراق المالية على سبيل المثال) وقانون الشركات وحتى بعد تعديله في العام 2017 يجيز ان يكون مجلس الادارة من ثلاثة اعضاء؟! وهو ما يعزز أن عملية تعديل التشريعات في أردننا الحبيب لا زالت بعيدة عن المؤسسية الفاعلة والاستعانة بالخبرات المتخصصة.

 

نطاق التصويت النسبي (التصويت التراكمي):

نرى بأن هذا التعديل جاء فقط للشركة المساهمة العامة، كونها هي الملتزمة بتطبيق قواعد الحوكمة، ولو اراد المشرع تطبيق التصويت النسبي على الشركات ذات المسؤولية المحدودة، لقام باجراء تعديل على النصوص المتعلقة بانتخاب هيئة المديرين بالاضافة الى الغاء ادارة الشركة من مدير وتصبح تدار من قبل هيئة المديرين –لا سيما انه خلال اشهر جرى اكثر من تعديل واصدار تعليمات جديدة تابعة لقانون الشركات-، والمشرع لا يقول لغواً؛ إذ لو اراد لقام، وبما أن التعديل لم يشمل في مفهوم التصويت النسبي سوى أحكام المادة (132) من قانون الشركات، فإن ذلك يُظهر أن نية المشرع لم تتجه الا لشمول الشركة المساهمة العامة، بالأخص أن الشركة ذات المسؤولية المحدودة هي خليط بين شركات الاموال وشركات الاشخاص.

وبرأي فإن من الممكن عمل دراسات لادخال التصويت النسبي على الشركات ذات المسؤولية المحدودة التى مثلا يزيد عدد الشركاء فيها عن مائة شريك ولا يقل راسمالها عن مائة الف دينار/حصة وعلى ضوء الدراسة يتم عمل ورش عمل ومناقشة هذا الامر مع اصحاب تلك الشركات واصحاب الخبرة  لتجنب السلبيات وتعظيم الايجابيات، وفي حال التعديل اعطاء تلك الشركات فترة لتصويب اوضاعها ومنع ان تكون ادارة الشركة مدير عام.

وأرى في هذا الصدد أنه لا يجوز الاستناد الى احكام المادة (76) من قانون الشركات لان اجراءات انتخاب هية مديرين منصوص عليها بصورة صريحة باحكام الشركات ذات المسوؤلية المحدودة ولا يجوز الرجوع لاحكام باب المساهمة العامة في ظل وجود نص صريح يعالج المسألة. وإن ما يثور حالياً من اجتهادات لدى بعض الأخوة والزملاء في دائرة مراقبة الشركات من تطبيق لأحكام التصويت النسبي (التصويت التراكمي) على الشركات ذات المسؤولية المحدودة في بعض المواقف يعد خروجاً عن ارادة المشرع ولا تستقيم والتفسير الصحيح لنص المادة (132) من قانون الشركات.





ضع تعليقك

جميع الحقوق محفوظة ل : مدونة المحامي محمد عماوي القانونية . © 2018